الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

443

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

المحسوسات وما يقرب منها وقد وقع خلاف في المقام من طوائف منهم السوفسطائية المنكرة لحصول العلم بالمرة من جميع طرقه المقررة سواء كانت ضرورية أو نظرية حسية ولذا أنكروا جميع الشرائع المنزلة والأديان المقررة والضرورة العقلية قاضية بفساد ما توهموه وكأنهم قد انسلخوا على الغريزة الإنسانية حيث أنكروا الكمالات العلمية التي هي عمدة ما يمتاز بها الإنسان عن الحيوانات السائمة وتسلط عليهم الأوهام الكاذبة فتثبتوا ببعض خيالات واهية لا يخفى وهنه على من له أدنى مسكة فليس ما توهموه قابلا للإيراد والمنازعة وقد نبه على جملة من الشناعات الواردة عليهم بعض الأجلة في محله ومنهم جماعة من الصوفية المدعين لأخذ العلوم من طريق الكشف والمشاهدة بعد الإتيان بالرياضات المقررة فذهب إلى عدم الاعتماد على العلوم النظرية والإيقاعات الربانية والقياسات اليونانية وادعوا انحصار العلم والعلوم الضرورية الحاصلة أسبابها المعروفة أو من طريق التصفية والمجاهدة فيشاهد النفس لجوهرها ما هو ثابت في الحقيقة على نحو مشاهدة للأمور الحسية وعلمه بها بتوسط إحدى الحواس الباطنة أو الظاهرة بل العلم الحاصل بها أقوى منها بمراتب عديدة ومنهم جماعة من الأخبارية المدعين انحصار مدارك العلم بالأحكام في الأخبار المأثورة عن الأئمة وأول من أشار إلى ذلك المحدث الأمين الأسترآبادي وقد ذكر ذلك في الفوائد المدنية قال في عداد ما استدل به على انحصار الدليل فيما ليس من ضروريات الدين والسماع عن الصادقين عليهما السلام الدليل التاسع يبنى على مقدمة دقيقة شريفة تفطنت فيه بحول الله تعالى وهي أن العلوم النظرية قسمان قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الإحساس ومن هذا القسم علماء الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق وهذا القسم لا يقع فيه خلاف بين العلماء والخطاء في نتائج الأفكار والسبب فيه أن الخطاء في الفكر إما من جهة الصورة أو من جهة المادة والخطاء من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأن معرفة الصورة من الأمور الواقعية عند الأذهان المستقيمة والخطاء من جهة المادة لا يتصور من هذه العلوم القريب مادة المراد فيها إلى الإحساس وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة من الإحساس ومن هذا القسم حكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ومن ثم وقع الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة والحكمة الإلهية والطبيعية وبين علماء الإسلام في أصول الفقه والمسائل الفقهية وعلم الكلام وغير ذلك والسبب في ذلك أن القواعد المنطقية إنما هي عاصمة من الخطاء من جهة الصورة لا من جهة المادة وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أن كل مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من الأقسام ومن المعلوم امتناع وضع قاعدة يكفل بذلك ثم استظهر بعض الوجوه تأييدا لما ذكره وقال بعد ذلك فإن قلت لا فرق في ذلك بين العقليات والشرعيات والشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين وفي الفروع الفقهية قلت إنما نشأ ذلك من ضم مقدمة عقلية باطلة بالمقدمة النقلية الظنية أو القطعية ومن الواضحات لما ذكرناه من أنه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطاء في مادة الفكر إذ المشاءين ادعوا البداهة في أن تفرق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه وإحداث لشخصين آخرين وعلى هذه المقدمة بنوا إثبات الهيولى والإشراقيين ادعوا البداهة في أنه ليس إعداما للشخص الأول وإنما انعدمت صفة من صفاته وهو الاتصال ثم قال إذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة فنقول إن تمسكنا بكلامهم عليهم الصلاة والسلام فقد عصمنا عن الخطاء وإن تمسكنا بغيره لم يعصم عنه إلى غير ذلك مما ذكره في المقام والمستفاد من كلامه عدم حجية إدراكات العقل في غير المحسوسات وما يكون مباديه قريبة من الإحساس بل وفيما يقطع به على سبيل البداهة إذا لم يكن محسوسا أو قريبا منه إذا لم يكن مما توافقت عليه العقول وتسالمت فيه الأنظار وقد استحسن ما ذكره غير واحد ممن تأخر عنه إذا لم يكن مما توافقت عليه الفاضل الجزائري في أوائل شرح التهذيب قال بعد ذكر كلام الأمين بطوله وتحقيقه المقام يقتضي ما ذهب إليه فإن قلت قد عزلت العقل عن الحكم في الأصول والفروع فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل قلت أما البديهيات فهي له وحدة وهو الحاكم فيها وأما النظريات فإن وافقه النقل وحكم بحكم قدم حكمه على نقل واحدة أما لو تعارض هو والنقلي فلا شك عندنا في ترجيح النقل وعدم الالتفات إلى ما حكم به العقل قال وهذا أصل يبتني عليه قواعد كثيرة ثم ذكر جملة من المسائل المتفرقة إليه وقضية كلامه حجية العقل في البديهيات وعدم حجيته في النظريات غير أنه يصير معا ضدا للنقل فيترجح به على ما يعارضه من النقلي الآخر ثم إن ما عناه من البديهي غير واضح في المقام فإن عني به البديهي في اعتقاد العالم وإن لم يكن بديهيا عند غيره أو لا يعلم فيه حال الغير فقد نص في تحقيقه ما تقدم وكذا فيما حكاه من كلام الأمين الذي هو عنده من التحقيق المتين حجيته وإن أراد به البديهي عند جميع العقلاء فهو مع أنه مما يتعذر العلم لا على سبيل الحدس الذي هو أيضا من العلوم الضرورية المتوقف حجيتها على الاتفاق عليها عنده مدفوع بأن الاتفاق على الحكم بالبداهة ولا يفيد الحكم بالصحة إلا من جهة توافق الأفهام واستنباط مطابقته للواقع من قبيل الاستنباط من الإجماع وإفادته العلم في الأمور العقلية محل إشكال وعلى فرضه ليس أقوى من سائر الضروريات فكيف يجعل معيار الحجية غيرها من البديهيات وقد وافقه على ذلك صاحب الحدائق وقد حكي عنه كلاما ذكره في الأنوار النعمانية يشبه كلامه في حاشية التهذيب واستحسنه إلا أنه صرح بحجية العقل الفطري الصحيح وحكم بمطابقة الشرع له ثم نص على أنه لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها ولا سبيل إليها إلا السماع عنهم عليهم السلام لقصور العقل المذكور من الاطلاع على أغراها ثم قال نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقف على التوقيف فنقول إن كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة كقولهم الواحد نصف الاثنين فلا ريب في صحة العمل به فإن عارضه دليل عقلي آخر فإن تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح المؤيد بالدليل النقلي وإلا فإشكال وإن عارضه دليل نقلي فإن تأيد العقلي أيضا نقلي كان الترجيح للعقلي إلا أن هذا في الحقيقة تعارض في النقليات وإلا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيد المحدث المتقدم وخلافا للأكثر هذا بالنسبة إلى